الجاحظ

324

الحيوان

ولا تنازع بين الأعراب - والأعراب ناس إنّما وضعوا بيوتهم وأبنيتهم وسط السّباع والأحناش والهمج ، فهم ليس يعبرون إلّا بها ، وليس يعرفون سواها - وقد أجمعوا على أنّ الأفعى إذا هرمت فلم تطعم - ولم يبق في فمها دم أنّها تنكز « 1 » بأنفها ، وتطعن به ، ولا تعضّ بفيها ، فيبلغ النّكز لها ما كان يبلغ لها قبل ذلك اللّدغ . وهل عندنا في ذلك إلا تكذيبهم أو الرجوع إلى الفاصل الذي أنكرتموه ، لأنّ أحدا لا يموت من تلك النّخسة ، إن كان ليس هناك أكثر من تلك الغمزة . وقال العجّاج ، أو ابنه رؤبة : [ من الرجز ] كنتم كمن أدخل في جحر يدا * فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا « 2 » ثم قال : بالشمّ لا بالسّمّ منه أقصدا وقال الآخر : [ من البسيط ] أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسها * أو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا « 3 » وقد حدّثني الأصمعيّ بفرق ما بين النّكز « 4 » وغيره عند الأعراب « 5 » . وهاهنا أمثال نضربها ، وأمور قد عاينتموها ، يذلّل بها هذا المعنى عندكم ويسهل بها المدخل . قولوا لنا : ما بال العجين يكون في أقصى الدار ويفلق إنسان بطّيخة في أدنى الدار ، فلا يفلح ذلك العجين أبدا ولا يختمر ؟ فما ذلك الفاصل ؟ وكيف تقولون بصدم كان ذلك كصدم الحجر ، أو بغرب كغرب السيف ! ! وكيف لم يعرض ذلك الفساد في كلّ معجون هو أقرب إليه من ذلك العجين . وعلى أنّ نكز الحيّة التي يصفه الشّعراء بأنّ المنكوز ميّت لا محالة ، في سبيل ما حدّثني به حاذق من حذّاق الأطباء ، أنّ رجلا يضرب الحيّة من دواهي الحيّات بعصاه فيموت الضّارب ، لأنهم يرون أنّ شيئا فصل من الحيّة فجرى فيها حتّى داخل الضارب فقتله ، والأطباء أيضا والنّصارى أجرا على دفع الرّؤيا والعين . وهذه الغرائب التي تحكى عن الحيّات وصرع الشيطان الإنسان ، من غيرهم .

--> ( 1 ) تنكز : تلسع . ( 2 ) الرجز لرؤبة في ديوانه 173 . ( 3 ) البيت ليحيى بن أبي حفصة في الشعر والشعراء 482 ، والوحشيات 87 . ( 4 ) نكزت الحية : لسعت بفيها . ( 5 ) ثمة نقص هنا ! .